محمد بن جرير الطبري

180

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في مصاحف المسلمين ، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك . وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك إذ كان الصواب عندنا من القراءة ما وصفت ، تأويل من قال : عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة ، وما أشبه ذلك . وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ما عرف بالتأنيث دون غيره . فإذ كان ذلك كذلك ، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه ، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ، إن يدعون من دونه إلا إناثا ، يقول : ما يدعو الذين يشاقون الرسول ويتبعون غير سبيل المؤمنين شيئا من دون الله بعد الله وسواه ، إلا إناثا ، يعني : إلا ما سموه بأسماء الإناث كاللات والعزى وما أشبه ذلك . يقول جل ثناؤه : فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد ، حجة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل ، أنهم يعبدون إناثا ويدعونها آلهة وأربابا . والإناث من كل شيء أخسه ؛ فهم يقرون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته ، ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي له ملك كل شيء وبيده الخلق والأمر . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً . يعني جل ثناؤه بقوله : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وما يدعو هؤلاء الذين يدعون هذه الأوثان الإناث من دون الله بدعائهم إياها إلا شيطانا مريدا ، يعني متمردا على الله في خلافه فيما أمره به وفيما نهاه عنه . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً قال : تمرد على معاصي الله . القول في تأويل قوله تعالى : لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً يعني جل ثناؤه بقوله : لَعَنَهُ اللَّهُ أخزاه وأقصاه وأبعده . ومعنى الكلام : وإن يدعون إلا شيطانا مريدا قد لعنه الله وأبعده من كل خير . وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ يعني بذلك أن الشيطان المريد قال لربه إذ لعنه : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً يعني بالمفروض : المعلوم ؛ كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك : نَصِيباً مَفْرُوضاً قال : معلوما . فإن قال قائل : وكيف يتخذ الشيطان من عباد الله نصيبا مفروضا ؟ قيل : يتخذ منهم ذلك النصيب بإغوائه إياهم عن قصد السبيل ، ودعائه إياهم إلى طاعته ، وتزينه لهم الضلال والكفر ، حتى يزيلهم عن منهج الطريق ؛ فمن أجاب دعاءه واتبع ما زينه له ، فهو من نصيبه المعلوم وحظه المقسوم . وإنما أخبر جل ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ليعلم الذين شاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى أنهم من نصيب الشيطان الذي لعنه الله المفروض ، وأنه ممن صدق عليهم ظنه . وقد دللنا على معنى اللعنة فيما مضى ، فكرهنا إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ يعني بقوله جل ثناؤه مخبرا عن قيل الشيطان المريد ، الذي وصف صفته في هذه الآية : ولأضلنهم ولأصدن النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال ، ومن الإسلام إلى الكفر . وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ يقول : لأزيغنهم بما أجعل في نفوسهم من الأماني عن طاعتك وتوحيدك إلى طاعتي ، والشرك بك . وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ يقول : ولآمرن النصيب المفروض لي من عبادك بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد ، حتى ينسكوا له ، ويحرموا ، ويحللوا له ، ويشرعوا غير الذي شرعته لهم فيتبعوني ويخالفونك . والبتك : القطع ، وهو في هذا الموضع : قطع أذن البحيرة ليعلم أنها بحيرة . وإنما أراد بذلك الخبيث أنه يدعوهم إلى البحيرة فيستجيبون له ويعملون بها طاعة له . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل